بسم الله الرحمن الرحيم

تعليق على ندوة

 تحوّلات العصرالرقمي وأثـرها على اللغة العـربية - جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن للبنات

( الإثنين 23 / 3 /  1434هـ  ـ 4 / 2 / 2013 م ) 

 _________________

عبدالرحمن الشبيلي ( بكالوريوس لغة عربية ، ماجستير ودكتوراه إعلام. )

        عُرفت الصحافةُ الورقيّةُ في عالمنا العربي منذ أواخر القرن الثامن عشر ، عندما أصدرت حملةُ نابليون على مصر جريدةَ " الحوادث " ، تلتها جريدةُ " الوقائع "  في عهد محمد علي ،  ثم تبعتهما صحفٌ أخرى في المغرب العربي.       

       وعُرفت الإذاعات باللغة العربية مطلع الثلاثينيات الميلادية ، مع إذاعتي" باري " الإيطالية و " لندن " ثم تبعتهما إذاعة القاهرة وموسكو وبرلين ، وغيرُها.   

       وعرف التليفزيون باللغة العربية في منتصف الخمسينيات الميلادية ، مع افتتاح تليفزيون العراق ثم الجزائر و لبنان.    

        وعرفت الاستخدامات الناعمة للشبكة العنكبوتية ، كمواقع الوسائط الاجتماعية والبريد الإلكتروني والمعلومات ، بدءاً من أوائل التسعينات من القرن الماضي ، ثم تتالت التطبيقات دون توقّف في عالم الاتصالات والمعلومات والإعلام والاقتصاد والعلوم والطب ، ومن قبل ذلك الاستخدامات العسكرية وغيرها.  

 

       ومنذ بدأت تلك الوسائل المقروءةُ والمسموعةُ والمرئيةُ ، صار التوافق على أن يُؤدّى الإعلام - في النشرات والحوارات والبرامج الرسميٌة - بلغة عربية فصيحة راقية ، وظهرت مدرسة إذاعة لندن وصوت أمريكا والشرق الأدنى ، متألّقةً بشخصيّات إذاعيّة مرموقة مثل منير شمّاء وحسن الكرمي وعيسى خليل صبّاغ وعمر الخطيب ، يجمعون بين طلاوةِ الصوت ونداوةِ الأداء وسلامةِ اللفظ ،  وانبرى علماء العربية في المشرق والمغرب العربي ينتفضون غيرة وثأراً من كل من ينال عبر تلك الوسائل من شرف اللغة العربية ، أو يمسُّ من سموّها أو يُهين سيادتها ، بوصفها لغةَ العرب ووعاءَ القرآن الكريم.  

    

      ومنذ ذلك الزمن ولعدة عقود ، ظهرت نظريّة " اللغة الثالثة " في وسائل الإعلام ، تحافظ عليها منذ الأربعينيات ، وكان يقصد بها اللغةََ العربيةَ المبسّطةَ ، المستخدمةَ في النشرات والحوارات والبرامج الإذاعية والتليفزيونية ، وفي المطبوعات الصحفية. ، خاليةً من اللحن والكلمات الأجنبية.     

 

       لكن الإعلام سرعان ما انزلق نحو العامية في كثير من قنواته ، وبعد أن كان ذلك الانزلاقُ يقتصر على بعض القنوات الإعلامية الأهليةِ ، لم تخل الجهات الإعلامية الحكومية - في لبنان ومصر مثلاً - من الوقوع في اللحن والعجمة ، وبدأت بعض القنوات الرسمية وبخاصة في المغرب العربي ، بتلبية النزعات الجهوية نحو الذاتيّة ، فخصّصت محطّات مستقلة تتحدث بلهجات و لغات متفرعة من العربية أو محاذيةٍ لها.

      ثم أخذ هذا الانحراف منحنىً أخطر عندما تحوّلت اللغة الثالثة ، التي تحدثنا عنها قبل قليل ، إلى خليط من الألفاظ العربية والأعجمية ، وبخاصة في ميدان البرمجيّات والتطبيقات العلمية ، وذلك بالرغم من وجود كلمات عربية سلسة بديلة.    

       لم يقتصر التأثير السلبي للعولمة اللغوية على الإعلام وتقنية المعلومات ، فلقد بدأ غزوُ العجمة والعامية يلوّث حياتنا العامة بكل تفاصيلها ، حتى اقتربت اللغةُ العربية من أن تكون غريبة في بلادها ، وكان الاختلاط بالعمالة الأجنبية من أكثر الملوّثات اللغوية في بيوتنا ومع أطفالنا بشكل ربما يتعدّى مؤثرات العولمة ، وبدلاً من أن يتعلّم الوافدون لغتنا صرنا نتبعهم في اصطناع لغة وسيطة مكسّرةٍ غايةٍ في القبح ، منفّرةٍ للذوق العام ، وهكذا رأينا أن العولمة قد دخلت إلى مجتمعنا بحجة تلبية الحاجة إلى العالم ، بينما تسلّلت العجمة وانتشرت العامية بإرادتنا ، ودون أن يفرضها أحد علينا.    

 

أيتها الأخوات والإخوة :    

 

          لقد برز في هذه البلاد عشراتٌ من العلماء ، نذروا أنفسهم للكلمة الفصيحة ، ونافحوا - بإخلاص - ضدّ الرطانة ، وطبّقوها على أنفسهم في تخاطبهم وفي بيوتهم ، عرفنا منهم في عصرنا الحديث حمد الجاسر ، وعبدالقدوس الأنصاري ،  وعبدالله بن خميس ، وأحمد عبدالغفور عطّار ، وعبدالله بن إدريس ، وأبا تراب الظاهري ، ود. محمود زيني ، ود. أحمد الضبيب ، ود. راشد المبارك ، ود. عبدالله الغذامي ، ود. عوض القوزي وغيرَهم ، حتى إن أحدهم لحظ مرٌة همزةَ الوصل مقطوعةً في عنوان ندوة حوار كبرى شارك فيها، ولم يهدأ له خاطر حتى أزيلت ، وظل هؤلاء وغيرهم من علماء الشريعة و اللغة والأدب المتخصصين في جامعاتنا ، يشعرون بالضجر عند سماع اللحن اللغوي في التلاوة والقول والخطب والبرامج والمؤتمرات السياسية ، ويتأفّفون من مخرجات التعليم ، ويتذمّرون من الأخطاء الإملائية والإعرابية في النصوص ، و سجّل البعض منهم المرافعاتِ والحججَ المقنعة ، مؤكّدةً على قدسيّة الفصحى ، وعلى ثراء اشتقاقاتها لاستيعاب المعاني والمستجدات. 

 

         هنا في المجتمع الثقافي والتعليمي ، لدينا حراكٌ واع يرفع لواء التنبيه ، ولدينا صحوةٌ مجتمعية تُشدّد على أهميّة الحفاظ على الهويٌة الإسلامية والقوميّة للأمة ، وعندنا وعيٌ نخبويٌ تمثّله مثل هذه الندوة وهذه المجموعة من الكتّاب والأدباء والإعلاميين ، وهناك دعواتٌ لم تتوقّف منذ عقود ولم يعارضها إلا القليل ، لإنشاء مجمع لغوي هنا ، يحافظ علي حيويّة اللغة ، ويخترع الاشتقاقات ، ويوجد الحلول لأسماء الغربب من المعاني والمبتكرات ، غير أن من يرفعون لواء الدفاع عن اللغة العربية يظلّون أقليّة في أعدادهم وإن علت أصواتهم بالحجج والمنطق والموضوعيّة ، كما أن أنصار التغريب والعولمة الرقمية والربيع الإلكتروني يبقون أقليّة أيضاً ، ولا بدّ أن بين الفريقين أغلبيّةً صامتةً تتفرّج ، وربما يكون من هذه الأغلبيّة نسبة لا تأبه بالأمر من قريب أو من بعيد.

         فهل من سبيل للوصول إلى كلمة سواء بين هؤلاء الفرقاء؟. 

 

       باستماعي ألى الورقات المقدّمة للندوة ، لا أجد في وسعي ما يمكن إضافته ، فكل ورقة طرقت الموضوع من زاوية مكملة للأخرى ، والكل متفق على حقيقة مزاحمة العجمة الإلكترونية وزحفها ومنافستها للعربية في عقر دارها ، لدرجة أن البعض من المشاركين يبدي من التشاؤم ما يخشى معه انقراض العربية بالتدريج ، نتيجة طغيان الإنجليزية بالذات على الحياة اليومية عند معظم الشعوب ، ويُلقون باللائمة على العولمة ،  وعلى موجة التغريب التي بدأت تجتاح المفاصل الثقافية للأمة ، ومن المتحدثين مَن توقّع نشأةَ لغة عربية مهجّنة ثالثة تكون لغةَ الإعلام والتواصل داخل المجتمعات على حساب اللغة الفصيحة.      

 

          ولا بدٌ من التأكيد ، على أن محدثكم من الداعين للغة العربية المستقيمة في وسائل الإعلام ، والمحافظين على سلامة اللسان الإعلامي من طغيان العاميّة ومن تدنيس المفردات العربية الجميلة بالكلمات الأعجمية أو المحرّفة ، وعندما يحتدم السجال بين الفرقاء يبقى محدثكم نصيراً للغة الأم ، لكنني  لا أرى أن تبقى الأمة على حال من جَلْد الذات ، أو على خوف مفرط على هويّتها اللغوية.  

 

           إن من الغريب فعلاً ، أن يصل الأمر ببعض أبناء الجيل إلى امتهان لغة القرآن الكريم ، بينما تلقى اللغة العربية التكريم في مجتمعات تبدأ شرقاً من الملايو والصين ، وشمالاً في روسيا وبولندا ، وانتهاءً بالجامعات والمساجد في أوروبا وكندا وأمريكا. 

 

        ما ينبغي أن نحدّده في هذه الندوة ، هو ضبطُ مصطلح  العنوان أولاً ، ثم التأكيدُ على عدم استساغة أمور أربعة :

1 - ظاهرة العجمة أن تتسيّد مفردات التقنية والتعليم والاقتصاد والإعلام ، أو أن يكون التخاطب في مجتمعنا العربي المسلم بغيراللغة العربية ، دون ضرورة.  

2 -  أن نرى شباب الجيل ، وقد صاروا يتحدثون بلغة وسيطة ، مختلطةِِ الكلمات غريبةِِ المصطلحات .

3 -  أن يُبتذَل البث الفضائي والبرامج بأصناف اللهجات. 

4 -  أو أن تُحمّل التقنيةُ والعولمةُ وزر الانفلات اللغوي ، فالمشكلة تكمن في بصائرالمستخدمين وثقتهم بتراثهم ، أكثر من كونها مسؤوليّةَ متسبّب أو سبب آخر.     

 

            لئن كانت العاميّة قد تسرّبت إلى التخاطب عبرالعصور منذ نهاية العصرالأموي ، وصارت النخبة من الأدباء تمسك بأطراف الفصحى بما يسمّى في علم البلاغة " السهل الممتنع " في مثل كتابات ابن المقفّع والجاحظ وعبدالحميد الكاتب والعقاد والزيّات والرافعي وطه حسين ، فإن من غير المعقول أن نتوقّع من جيلنا الحاضر أن يستخدم مفردات معقّدة ، وإن غاية ما ننادي به و نرجو أن يسود بيننا اليوم ، وأن تُعنى به هذه الندوة ، هو استخدام اللغة العربية المبسّطة ، بالحدّ الضروري من فصاحة غير متكلّفة ، والابتعاد عن العجمة ، وعدم إفساح المجال للعامية أن تسيطر على مناهج التعليم وبرامج الإعلام ، وأن يعود لوهج " اللغة الثالثة " ما تعوّدناه منها في " الزمن الجميل " للإعلام.        

 

       لقد استفادت الدولة في عصر المأمون ومن تلاه ، من التمازج الثقافي مع الحضارات ، وكانت الترجمةُ آنذاك من السريانية والفارسية واليونانية ، رافد إثراء وإغناء غزير للغة العربية لا مصدر خطر عليها ، فانتقلت  اللغة العربية معها من لغة الشعر والأدب إلى لغة العلوم والتقانة والفلسفة ، ولم يضِرّ العربية حينها بشيء ، وما أحرانا اليوم أن نستكشف أوجه الشبَه بين عصرهم ذاك وعصرنا هذا ، وأن نتوصّل إلى حلّ توافقيّ ، لا يموت الذئب فيه ولا تفنى الغنم ، حلٍّ عمليٌ يُحافظ على اللغة العربية الفصيحة ، ولا يحرم المجتمعات من التقنية ، حلٍّ  واقعيّ لا يقوم على التنظير والافتراضات ، ويحقق في الوقت نفسه الإفادة من معطيات العلم الحديث.

 

        إن من المرجو ، أن تضع جامعة الأميرة نورة يدها مع الجميع ، انطلاقاً من هذه الندوة ومما سبقها من ندوات مماثلة في الجامعات الشقيقة ، في جهد مشترك لا تتوقف التوصياتُ معه عند حد الجلسة الختامية ، بل تنطلقُ إلى آفاق عمليّة قابلة للتنفيذ ، وهنا أرجو من الجامعة  أن تتأمل في هذه الأفكار الإضافية :    

 

- الأولى : أن تطالب الجامعة بأن يكون المجمَعُ اللغوي المزمعُ إنشاؤه قريباً مجمعاً لغويّاً علميّاً يمازج بين التقنية والبحوث اللغوية ذات الصلة. 

 

- الثانية : أن تتبنّى الجامعة إنشاء مدرسة ابتدائيّة تجريبية للبنات ، تقوم على تدريس العلوم جميعِها بالفصحى ، بحيث تكون المدرسة نواة مركز بحثي لغوي مصغّر ، يعالج المفردات التقنية بلغة عربية مطوّرة ، وتكونُ المدرسة على مصالحة مع التقنية لا على مفارقة مع معطياتها ، مستفيدةً في هذا الاتجاه من تطبيقات  سابقة في بعض الدول ، ومن تجارب معروفة في بعض المنازل السعودية.      

 

- الثالثة : أن تتبنّى الجامعة إنتاج برنامج إعلامي تربوي يقوم على تقديم المخترعات والعلوم وشرح التقنية الحديثة للناشئة بلسان عربي مبين ، مستفيدة من تجارب إعلامية معروفة ناجحة ، شاركت فيها المملكة.     

 

 - الرابعة : أن تطالب الجامعةُ مكتبَ التربية العربي ، و مدينةَ الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية بأن تُخضعا نتائج جهودهما للتطبيق العام.

 

- الخامسة : أن تكون هذه الجامعة نفسُها ، بمدّرساتها وطالباتها ومنسوبيها ، ميداناً للتطبيق العملي المتدرّج ، للتحدّث باللغة العربية في الدروس والمحاضرات والمعامل والتواصل الاجتماعي ، بل وربما في شروط التخرّج ، لنجعل هذا الحَرَم الجامعي الجديد حرزاً للغة العربية ومأزِراً لها ، و دارةً حاضنةً للتغريد بالفصحى ، ومختبراً لإذابة اللهجات المحلية لصالح اللغة الأم دون تقعّر ، ولتكون الجامعةُ قدوةً مثاليّة للمجتمع في احترام العربية والإعلاء من شأنها، ونبذ العاميّة والرطانة في فصولها ، وكم هو سارّ أن عدداً من عضوات هيئة التدريس وبخاصةٍ في قسم اللغة العربية يلتزمن بذلك في الخطاب اليومي المعتاد ، وأجزم بأن هذا الالتزام قد انتقل إلى بيوتهنّ وبين الأولاد.     

 

- السادسة : أن تتبنّى الجامعةُ مادةً في مناهجها الدراسية تقوم على توظيف التقنية في خدمة اللغة العربية وبالعكس ، مع تعريف الطالبات بالمصطلحات الجديدة المعرّبة ، مما تنتجه المجامع في هذا الشأن.   

 

وبعد ؛

      المرجوّ ألا تذهب توصياتُ هذه الندوة أدراج الرياح كبعض سابقاتها ، وألا تكون مجرّد رقم عدديّ يضاف إلى الندوات الورقية التي تعقد هنا وهناك ثم تُنسى ، مع الامتنان الجمّ لاختياري في موقف يتعدّى أفقي القاصي ، والسلام عليكم.

 

FAQ
 
الدورات التدريبية
 
شاعر الشهر
 
كتاب الأسبوع
 
قصاصة ثقافية
 
منتدى المكتبة الثقافي
 
 
جميع الحقوق محفوظة لمكتبة البابطين المركزية للشعر العربي 2012
خريطة الموقع